مجمع البحوث الاسلامية

554

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

فنقول : العبد لا سبيل له إلى الاطّلاع على كمال اللّه سبحانه ابتداء ، بل ما لم ينظر في مملوكاته لا يمكنه الوصول إلى ذلك المقام ، فلا جرم كلّ من كان اطّلاعه على دقائق حكمة اللّه وقدرته في المخلوقات أتمّ ، كان علمه بكماله أتمّ ، فكان حبّه له أتمّ ، ولمّا كان لا نهاية لمراتب وقوف العبد على دقائق حكمة اللّه تعالى ، فلا جرم لا نهاية لمراتب محبّة العباد لجلال حضرة اللّه تعالى . ثمّ تحدث هنالك حالة أخرى ، وهي أنّ العبد إذا كثرت مطالعته لدقائق حكمة اللّه تعالى ، كثر ترقّيه في مقام محبّة اللّه ، فإذا كثر ذلك صار ذلك سببا لاستيلاء حبّ اللّه تعالى على قلب العبد ، وغوصه فيه على مثال القطرات النّازلة من الماء على الصّخرة الصّمّاء ، فإنّها مع لطافتها تثقب الحجارة الصّلدة ، فإذا غاصت محبّة اللّه في القلب تكيّف القلب بكيفيّتها ، واشتدّ إلفه بها . وكلّما كان ذلك الإلف أشدّ كانت النّفرة عمّا سواه أشدّ ، لأنّ الالتفات إلى ما عداه يشغله عن الالتفات إليه ، والمانع عن حضور المحبوب مكروه فلا تزال تتعاقب محبّة اللّه ، ونفرته عمّا سواه على القلب ، ويشتدّ كلّ واحد منهما بالآخر ، إلى أن يصير القلب نفورا عمّا سوى اللّه تعالى ، والنّفرة توجب الإعراض عمّا سوى اللّه ، والإعراض يوجب الفناء عمّا سوى اللّه تعالى ، فيصير ذلك القلب مستنيرا بأنوار القدس ، مستضيئا بأضواء عالم العصمة ، فانيا عن الحظوظ المتعلّقة بعالم الحدوث ، وهذا المقام أعلى الدّرجات . وليس له في هذا العالم مثال إلّا العشق الشّديد على أيّ شيء كان ، فإنّك ترى من التّجّار المشغوفين بتحصيل المال من نسي جوعه وطعامه وشرابه عند استغراقه في حفظ المال ، فإذا عقل ذلك في ذلك المقام الخسيس ، فكيف يستبعد ذلك عند مطالعة جلال الحضرة الصّمديّة . المسألة الثّانية : في معنى الشّوق إلى اللّه تعالى . اعلم أنّ الشّوق لا يتصوّر إلّا إلى شيء أدرك من وجه ، ولم يدرك من وجه . فأمّا الّذي لم يدرك أصلا ، فلا يشتاق إليه ، فإن لم ير شخصا ولم يسمع وصفه لم يتصوّر أن يشتاق إليه ، ولو أدرك كماله لا يشتاق إليه . ثمّ إنّ الشّوق إلى المعشوق من وجهين : أحدهما : أنّه إذا رآه ثمّ غاب عنه اشتاق إلى استكمال خياله بالرّؤية ، والثّاني : أن يرى وجه محبوبه ولا يرى شعره ، ولا سائر محاسنه ، فيشتاق إلى أن ينكشف له ما لم يره قطّ . والوجهان جميعا متصوّران في حقّ اللّه تعالى ، بل هما لازمان بالضّرورة لكلّ العارفين . فإنّ الّذي اتّضح للعارفين من الأمور الإلهيّة وإن كان في غاية الوضوح ، مشوب بشوائب الخيالات ، فإنّ الخيالات لا تفتر في هذا العالم عن المحاكاة والتّمثيلات ، وهي مدركات للمعارف الرّوحانيّة ، ولا يحصل تمام التّجلّي إلّا في الآخرة ، وهذا يقتضي حصول الشّوق لا محالة في الدّنيا ، فهذا أحد نوعي الشّوق فيما اتّضح اتّضاحا . والثّاني : أنّ الأمور الإلهيّة لا نهاية لها ، وإنّما ينكشف لكلّ عبد من العباد بعضها ، وتبقى أمور لا نهاية لها غامضة ، فإذا علم العارف أنّ ما غاب عن عقله أكثر ممّا حضر ، فإنّه لا يزال يكون مشتاقا إلى معرفتها ، والشّوق بالتّفسير الأوّل ينتهي في دار الآخرة بالمعنى الّذي يسمّى